السيد علي الحسيني الميلاني

351

تحقيق الأصول

نعم ، حيث إن الإباحة هنا منبعثة عن مصلحة موجبة لها لا عن عدم المصلحة والمفسدة في الفعل ، وإلّا لم يعقل مزاحمة بين اللّااقتضاء والمقتضي ، فلذا ينحصر وجه المنافاة في الجهة الأولى ، فلو أمكن انفكاك الإرادة عن البعث الفعلي لم يكن الإباحة هنا منافية للإرادة أو الكراهة الواقعيّة بوجه لا ذاتاً ولا عرضاً ، بمعنى أنه لو لم يكن هناك تكليف فعلي من جميع الجهات والمفروض أنه المنافي للإباحة ، فلا منافاة للإباحة مع الإرادة حتى لا تنقدح بسببها ، فتدبّر جيّداً « 1 » . مناقشته ويرد الإشكال عليه فيما ذكره من كون حجيّة الظواهر وخبر الثقة منتزعة من بناء العقلاء ، وذلك : أوّلًا : إنه يستحيل أنْ يكون نفس بناء العقلاء علّةً لحجيّة الظاهر وخبر الثقة ، بل إنّ العقلاء يستكشفون مراد المتكلّم من ظاهر كلامه ، ويرون ما أخبر به المخبر محقّقاً في الخارج فيعتمدون عليه ويرتبُون الأثر ، لا أنّ الحجيّة تنتزع من بنائهم العملي على اتّباع الظاهر وخبر الثقة ، إذ ليس في بناء العقلاء تعبّد كما هو الحال بين الموالي والعبيد . وثانياً : إن بناء العقلاء على العمل ، إمّا هو الإسناد أو الاستناد ، ولا يعقل فيه الإهمال ، فإمّا هو بشرط لا عن الحجيّة أو لا بشرط بالنسبة إليها أو بشرطها ، أمّا الإسناد والاستناد بشرط عدم الحجيّة ، فباطل بالضّرورة ، وكذا اللّابشرط ، فلا محالة ينحصران بصورة الحجيّة ، وعليه ، فلا بدّ وأنْ تكون الحجيّة متقدّمة على

--> ( 1 ) نهاية الدراية 3 / 148 .